عبد الله بن أحمد النسفي

413

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 39 إلى 42 ] لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى هو إثبات لما بعد النفي ، أي بلى يبعثهم وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وهو مصدر مؤكد لما دلّ عليه بلى ، لأنّ يبعث موعد من اللّه ، وبيّن أنّ الوفاء بهذا الوعد حقّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنّ وعده حقّ ، أو أنهم يبعثون . 39 - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ متعلق بما دلّ عليه بلى ، أي يبعثهم ليبيّن لهم ، والضمير لمن يموت ، وهو يشمل المؤمنين والكافرين الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ هو الحقّ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ في قولهم لا يبعث اللّه من يموت . 40 - إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي فهو يكون ، وبالنصب شامي وعليّ ، على جواب كن ، قولنا مبتدأ ، وأن نقول خبره ، وكن فيكون من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود ، أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلّا أن نقول له احدث فهو يحدث بلا توقف ، وهذه عبارة عن سرعة الإيجاد تبيّن أنّ مرادا لا يمتنع عليه ، وأنّ وجوده عند إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل ولا قول ثم ، والمعنى أنّ إيجاد كلّ مقدور على اللّه بهذه السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات . 41 - وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ في حقّه ولوجهه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا هم رسول اللّه وأصحابه ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى اللّه ، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين ، ومنهم من هاجر إلى المدينة لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً صفة للمصدر أي تبوئة حسنة ، أو لنبوّئنّهم مباءة حسنة ، وهي المدينة حيث آواهم أهلها ونصروهم وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ الوقف لازم عليه لأنّ جواب لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ محذوف والضمير للكفار ، أي لو علموا ذلك لرغبوا في الدين ، أو للمهاجرين ، أي لو كانوا يعلمون لزادوا في اجتهادهم وصبرهم . 42 - الَّذِينَ صَبَرُوا أي هم الذين صبروا ، أو أعني الذين صبروا وكلاهما مدح ، أي صبروا على مفارقة الوطن الذي هو حرم اللّه المحبوب في كلّ قلب فكيف